image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

التوظيف ومحاكاة نموذج النَّمل والنَّحل في سوق العمل

تقوم إستراتيجية النَّمل في طلبه للرزق وجلبه الغذاء من الحبوب إلى مستوطناته على استغلال وتوظيف ما هو موجود من طرق كما هو معروف، دون الحاجة لشق طرق جديدة خاصة لتحقيق هذا الغرض، لكن المعروف عن النمل كذلك أنه يعمل باستمرار على تقليص المسافات وتيسير سلوك الطرق المؤدية إلى مصادر الرزق، والنمل ليس بحاجة لحملات توعوية وإعلامية لجمهور النمل بالخطط الجديدة والخرائط الجديدة التي يتعين على الحشود من النمل تبنيها والعمل بموجبها، حيث يتفرد النمل بخاصية امتلاكه مواد كيميائية يفرزها على الأرض فيمشي بموجبها النمل وكلما زاد عدد النمل، زادت كمية هذه المادة التي يفرزها النمل وهذا تلقائياً يجذب المزيد والمزيد من النمل بسهولة وبسرعة للطرق والمسارات المختصرة الجديدة التي يتم العمل بها أولاً بأول لضمانة دخول كل النمل سوق العمل.

في المقابل، يتبنى النَّحل إستراتيجية مختلفة نوعاً ما عن إستراتيجية النمل في طلب الرزق وجلب الغذاء، فهو يقوم بدايةً بجولات استكشافية للبيئة المحيطة بحثاً عن مصادر الغذاء، عندئذ يقوم بإبلاغ بقية أسراب النحل عن تواجد الغذاء الجيد من خلال لغة خاصة يؤديها النحل وتفهمها أسراب النحل فتأخذ كل تعليمات جديدة من خلال الرقصة الخاصة فيتم العمل بموجبها، ويقوم النحل باستمرار بتحديثات مواقع الغذاء والنوعية الجيدة في سبيل تحديث المواقع الجيدة في البيئة المحيطة به مع ضمان أن النحل كله يدخل سوق العمل دون استثناء.



يقدم النَّمل والنَّحل نموذجين مهمّين في محوريّة العمل الجماعي أولاً، مع أن لكلٍّ من النَّمل والنَّحل وسائل اتصال فعّالة مباشرة وغير مباشرة وذلك خدمةً للجماعة أو المجموعة أو المجتمع على قدم المساواة ودون تسريب معلومات مضللة ودون محسوبيات لأفراد العائلة والعشيرة والقبيلة والطائفة والمنطقة ودون الحاجة للواسطة والتوسط لأفراد الأقارب أو الأصدقاء والجيران، كل ذلك يتم من خلال قانون واحد فقط هو: إتاحة فرص العمل للجميع ونشر المعلومات عن تلك الفرص علناً وبالتساوي ودون مواربة أو تضليل وفي كل الأوقات ودون حاجة لواسطات أو محاباة أو محسوبيات أو شفاعات، ودون حاجة لنشر إعلان عن وظائف معلوم مسبقاً أنها لفلان وفلان إنما يتم نشرها للعلن امتثالاً لديكور القانون وليس لروح القانون، ولا حاجة لمعرفة مدير الموارد البشرية ودون حاجة لمعرفة القائمين على منصات التوظيف الحقيقية أو الوهمية ودون الحاجة للتسجيل في «لنكد إن» ودون حاجة لـ«خبراء» كتابة وصياغة وتصميم السِّير الذاتية ودون الحاجة لأخذ تدريب في كيفية إجراء مقابلة وظيفية.

نفهم الحاجة للشهادات العلمية والرخص المهنية في التوظيف، ونفهم الحاجة للمهارات والقدرات الخاصة لوظائف عن وظائف أخرى وقطاعات عن قطاعات، ونفهم أهمية تقديم سيرة ذاتية احترافية ومقابلة وظيفية شاملة وموضوعية، لكن كل هذه المعايير والاعتبارات تنطلق من منطلق واحد فقط وهو منطلق «رب العمل». وهذا يفرضه الدافع الاقتصادي الرأسمالي في سبيل تحقيق الحدود العليا من الربحية أمام المنافسة والأجور والتكاليف والتقنية والرقمنة والحوكمة والاستدامة...إلخ.

ما لا نفهمه، هو غياب «نظام النَّمل» و«نظام النَّحل» اللذين يهدفان لدخول كل النَّمل وكل النَّحل لسوق العمل دون تمييز ودونما محسوبيات حيث ينطلق من منطلق اجتماعي - اقتصادي خدمةً لكل الشرائح والفئات غير المخدومة بآليات التوظيف الحالية، خاصة أولئك الذين هم على حافة الفقر مع أسرهم وعائلاتهم، وأولئك الذين هم في صراع الغريق قبل الغرق للبقاء فوق خط الفقر.



إننا بحاجة لنظام توظيف آخر، بجانب أنظمة التوظيف المعمول بها حالياً، بحيث يتيح النظام الجديد فرصة الدخول والخروج في سوق العمل بيسر وسهولة في كل الأوقات لجميع أفراد المجتمع كل حسب قدرته، وذلك على قدم المساواة تماماً مثلما هو نظام العمل لدى «أمّة النَّحل» و«أمّة النَّمل» وذلك لتحقيق الحد الأدنى - على الأقل - من مستوى العيش والحياة الكريمة، ولضمان عدم انزلاق البعض للفقر والفقراء وصمام أمان للمجتمع ككل، بحيث يتمتع هذا النظام بشفافية عالية من نشر وإتاحة المعلومات دون مواربة ودون تضليل، وبحيث ينطلق من منطلق اجتماعي- اقتصادي، لا ينطلق من منطلق اقتصادي رأسمالي لا يقتصر على خدمة «رب العمل» فقط، وبحيث يكتسب العاملون فيه دخلاً مادياً يضمن بقاءهم فوق خط الفقر، كما يضمن اكتسابهم خبرة وحرفة ومهارات لا يمكن أن يتحصلوا عليها وفقاً لآليات التوظيف الحالية.

صحيح أن العدالة المطلقة في السماء وليست في الأرض، لكنّ آليات التوظيف الحالية والقائمة لا يمكنها أن تفرِّق بين من يتقدم لوظيفة كي يحقق «الحد الأعلى» وبين من يتقدّم لوظيفة فقط ليحقق «الحد الأدنى»، بين من يريد أن يتوظف لينجح ومن يتوظف كي يعيش. مع إيماني المطلق بحق الإثنين في العمل.

لهذا حان الوقت لدراسة إيجاد نظام توظيف اجتماعي - اقتصادي - كمي، بجانب نظام التوظيف المعمول به حالياً، يمثل صمام أمان للطبقة الوسطى المهمة لحفظ توازن أي مجتمع، بجانب أن ذلك يمكِّن كل فئات المجتمع من القدرة الشرائية المهمة لإتمام الدورة الاقتصادية ككل، بجانب أن ذلك يمثل ضمانة للاستدامة الأمنية الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق